ابن عربي
271
مجموعه رسائل ابن عربي
وأما المرتبة الأخرى : فهي صناعة علمية ، موقوفة علي عناية أزلية ، تورث الجنان ومجاورة الرحمان . ولهذا قال في الكتاب المبين نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ ، فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ « 1 » لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ - وفيه - وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ « 2 » فمن أراد أن يقف عليها ، ويتصل إليها ، فإنها الكنز الذي لا يهد جداره ، والزند الذي لا يظهر أواره ، هي حكمة لا يودعها اللّه إلّا الأمناء من عباده ، والمتألهين « 3 » بحضرة أشهاده ، فإذا أراد الشيخ أن يظهر في المريد ربوبيته : يخفي عنه سببيته « 4 » ويضرب له ميقاته ، ثم يحجب عنه أوقاته ، ويأمره بالقصد إلى خط الاستواء حيث يكون الليل والنهار ، والحر والبرد فيه على السواء واعمد فيه إلى الجبل الشاهق في السماء ، فستجده جبلا على الذرى « 5 » صعب المرتقى ، فيه أنواع من الحيوان ، وكهوف وغيران ، يغمره بيض وسودان « 6 » ، جردته أكثر من خضرته « 7 » ، يخترقه الرياح ، ويغمره النارية والنور « 8 » من الأرواح ، لهم سلطان عظيم ، يسكن في قننه « 9 » ، وزرعته وحافون بقبته « 10 » له أجناد امراء ، وحكام وحكماء ، فقام لنفسي الملك خاطر السعادة ، والتوجه إلى طريق المستفادة ، بخرق العادة ، والبحث عن الأمر الذي به دوام الملك بيده إلى أبد ، فاستعمل الفكر المحرق لما قام به من الشوق المقلق ، فأنتج له : أن هذا الأمر موقوف على معركة الحكمة ، وأنها موضوعة بين النور والظلمة ، موقوفة على المعدن والنبات ، محكوم عليها بعدد شهود الزناة ، ولكن قصر به الفكر عن تعيين ذاته ، وعن الإدراك بجميع صفاته ، فقال له بعض حكمائه ، وأخص علمائه : أيها الملك : مطلبك في قدرتي ، وحاجتك بحيث قوتي ، ولكن قد لا تعرف
--> ( 1 ) سورة الزمر ؛ الآية : 74 . ( 2 ) في المطبوعة : « فليعمل العاملون وفيه فليتنافس المتنافسون » . سورة المطففين ؛ الآية : 26 . ( 3 ) في المطبوعة : « والمتأهلين » والمتأله المتعبد . ( 4 ) في المطبوعة : « شيئية » والربوبية هنا بمعنى التربية ، وفي « المختار » : ورب ولده من باب رد : وربه ، تربية ، بمعنى : أي رباه ، والمقصود بها هنا : أثر التربية . واللّه أعلم . ( 5 ) في المطبوعة : « عالي الدري » . ( 6 ) السودان : جمع أسود ، وليس هنا البلاد المعروفة . ( 7 ) أرض مجرودة : لا نبات فيها . ( 8 ) في المطبوعة : « والنورية » . ( 9 ) في المطبوعة : « قنته » و « القنة » بضم القاف : أعلى الجبل . ( 10 ) في المطبوعة : « وزعته حافون بقنته » .